نظرة في تطور الشعر العربي

وا يداه، وا يداه
هذه الكلمة كانت أول قصيدة عربية حفظها لنا التاريخ؛ عندما لم يكن ببال الجاهلي الذي سقط من فوق ناقته، ثم صرخ، أن تُطرب هذه الصيحة آذان نوقه وجِماله، فتُسرع عوضا عن توقفها لما حلًَ به.

وايداه، كانت الشرارة الأولى التي أعطت القبائل العربية مولودا جديدا أسمته بعد ذلك “الشعر”، لتأخذ في تلك المرحلة شكلا من أشكال التسلية، تترنم به قبل أن تكتمل الملامح الحقيقية للقصيدة العربية، على يد المهلهل عدي بن ربيعة.

تشكُّل القصيدة على يد المهلهل، أخرج النار الكامنة في أنفس العرب ليتوالى من بعده الشعراء، حتى أنشأ امرؤ القيس مملكة حقيقية للقصيدة، ووضع لها نظاما وقواعد جعلت من شعره عالة على من جاء بعده، حتى صارت تقاس القصائد بميزان معلقته ولاميته الأُخرى وسينيته وغيرها من أعماله المؤسِّسة للشعرية العربية.

هذه الموجة الجاهلية منذ المهلهل ومرورا بامرئ القيس، جعلت من القصيدة منتجا حضاريا، وذاكرة لأخبار العرب وأيامهم، وتخليدا لملاحمهم وأحداثهم الكبرى، حتى قيل إن الشعر ديوان العرب، باعتباره أرشيفا يحفظ الحروب والكروب، ومفاخرهم بين قبيلة وأخرى.

ومع انتشار الإسلام، وبسط الدولة المحمدية سيطرتها على الجزيرة العربية، قتل ﷺ هذه النزعة العدائية الهجائية، التي تتوسل الشعر لإيقاد الحروب وإطفائها، مع سفكه دم كعب بن زهير، لتأتي “بانت سعاد” بمثابة اعتذار ونهاية للمرحلة الكبرى التي تأسس عليها الشعر العربي، والثقافة التي تبناها قبل الإسلام.

وفاة الثقافة القديمة التي نشأ عليها الشعر، لم تقتل الروح العربية والولع بالسحر الغامض، بل دفعه نحو الظهور بثقافة جديدة، وأكثر تنوعا مما كانت عليه قبل الإسلام لتظهر لنا في الوقت ذاته، نقائض جرير والفرزق اللذان شكَّلا، مع الأخطل منافسة شرسة تتوسل الفخر والهجاء والتقرب من السلطة في آن واحد معا، ومغامراتُ عمر بن أبي ربيعة مع نُعم، والثريا، وهند، ورفاقه العذريين.

هذه المرحلة بدأت دولة الخلافة نحو الانفتاح والتمدد حتى جاءت على ثقافات متعددة، ومجتمعات غير عرببة أخذت من عاداتها وعلومها ومعارفها وألسنتها، كما قدمت اللسان العربي بمنتجاته القرآنية والشعرية والخطابية إلى تلك الأمم والمجتمعات.

هذا الانفتاح صحبه ظهور أوائل المولَّدين الذين لم يكونوا عربا أقحاحا، إلا أنهم استطاعوا لقرب عهدهم بالفصحاء الأوائل أن يصبحوا أعلاما من أعلام الشعر، ومحطة هامة في تاريخه مثل بشار بن برد وأبي نواس.

وفي هذه المرة، كان التمرد على المطلع الطللي، الذي وضعه امرؤ القيس قبلهم بقرون، وطول القصيدة، وغيرها من التعليمات التي حفظتها العرب عن “ملك مملكة الشعر”، حتى أصبح التغزل بالغلمان عوضا التغزل بالنساء، ووصف الخمر بديلا لوصف الحرب، سمة شائعة في المرحلة الأولى من العصر العباسي.

هذا الضعف الذي أصاب إمبراطورية امرئ القيس الشعرية، لم تجهز عليها، بل هيأتها لما جاء بعدها من العباسيين المتأخرين، كأبي تمام والمتنبي ومن جايَلهم في تلك المرحلة.

فبعد سلسلة طويلة وتراكم شعري ثقيل، وجد أوس بن حبيب الطائي الشهير بأبي تمام، نفسه أمام إرث ثقيل من الشعر الذي كان عالما به، بل كان خبيرا بأجمل ما فيه ليجمع لنا حماسة كبرى، وضع فيها منتخبات من أجمل ما قالت العرب واستحسنته وفق “عمود الشعر”، وارتضاه الطائي، إضافة إلى حماسة وحشية صغرى عرض فيها محفوظه من غريب الشعر ووحشي الألفاظ.

هذه الحِمل الذي وجده أبو تمام كان لا بد له من مخرج أو محاولة للبحث عنه، حتى وجد نفسه خارجا عن الأسلوب العربي والتركيب القديم للجملة الشعرية والقصيدة التقليدية، ونافضا غبارها بالبديع والمحسنات البلاغية، والتراكيب المبتكرة والصور الشعرية التي لم تكن شائعة من قبله.

ولعلَّ تطرف أبي تمام في الثورة على القصيدة القديمة، جعل من خليفته البحتري، تلميذا وفيا لمعلمه، وللإثر الشعري الكبير، حتى مسك العصا من منتصفها؛ ليحافظ من وجه على الأسلوب القديم من حيث شكل القصيدة وترتيبها “القيسي”، ومن وجه آخر حفظ لعصره رقة القصيدة في ألفاظها وكلماتها وموضوعاتها حتى أصبحت قصائده “سلاسل ذهب” يستجيدها معلمه، دون أن تخرج على القصيدة القديمة.